أبي منصور الماتريدي

237

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والثاني : أن ذكر خيراته لحاجة تقع للمذكور له تكون في مثلها ، لا تكون في الآخرة خاصة ، واللّه - تعالى - يتعالى عن الحاجة عما بالعباد ؛ لذلك اختلفا . واللّه أعلم . فإن قال لنا قائل : إن جميع ما ذكر في هذه الآية - من أولها إلى آخرها - كلها دعوى ، فما الدليل على تلك الدعوى ؟ قيل : يحتمل أن يكون دليله ما تقدم ذكره من قوله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ . . . الآية [ البقرة : 164 ] . والثاني : من أنكر الصانع فيتكلم أولا معه في حدث العالم ، وحاجته إلى محدث ، فإذا ثبت حدث العالم ، فحينئذ يتكلم في إثبات الصانع ووحدانيته . وبالله التوفيق . وفي قوله تعالى : ( واحد ) ، ليس من حيث العدد ؛ لأن كل ذي عدد يحتمل الزيادة والنقصان ، ويحتمل الطول والعرض ، ويحتمل القصر والكسر ، ولكن يقال : ذلك ( واحد ) من حيث العظمة والجلال والرفعة ، كما يقال : فلان واحد زمانه ، وواحد قومه ، يعنون به رفعته وجلالته في قومه وسلطانه عليهم ، جائز القول ، فهم لا يعنون من جهة العدد ؛ لأن مثله كثير فيهم من حيث العدد . واللّه أعلم . وقوله : يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ . هذا على المعتزلة ؛ لأنهم لا يصفونه بالعلم ، وقد أخبر أن له العلم . ثم احتمل : عِلْمِهِ ، علم الغيب . وقال آخرون : علم الأشياء كلها . لا يعلمون إلا ما يعلمهم اللّه من ذلك ، كقول الملائكة : لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا [ البقرة : 32 ] . ومن قال : علم الغيب ، فهو الذي قال : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 26 ، 27 ] . وقوله تعالى : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ . قال بعضهم : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ، وسع علمه . وهو قول ابن عباس « 1 » ، رضى اللّه تعالى عنه . وقال آخرون : كُرْسِيُّهُ ، قدرته ، وهو وصف بالقدرة والعظمة . وقيل : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ، والكرسي هو أصل الشئ ، يقال : كرسي كذا ، والمراد منه أنه المعتمد والمفزع للخلق . وذلك وصف بالعظمة والقوة .

--> ( 1 ) قاله البغوي في تفسيره ( 1 / 240 ) ، ولم ينسبه لأحد .